الشيخ محمد رشيد رضا

67

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أي إنهم لا يقدرون على إيقاع الضرر بكم ولكن يؤذونكم بنحو الكلام القبيح كالخوض في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو إلا ضررا خفيفا ليس له كبير تأثير ( وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ) تولية الأدبار كناية عن الانهزام لأن المنهزم يحول ظهره إلى جهة مقاتله ويستدبره في هربه منه ، فيكون دبره أي قفاه إلى جهة وجه من انهزم هو منه . ( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) عليكم بعد ذلك أو ثم إنهم لا ينصرون عليكم قط ما داموا على فسقهم ودمتم على خيريتكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه . وعلى هذا تكون الجملة إخبارية مستقلة لا تدخل في جواب الشرط ولذلك وردت بنون الرفع . وفي هذه الآية ثلاث بشارات من الاخبار بالغيب وكلها نحققت وصدق اللّه وعده . وقد أورد الرازي على الوعد بأنهم لا ينصرون انه يصدق في اليهود دون النصارى أي إن اليهود هم الذين لم ينصروا على المسلمين بعد ما كان من انكسارهم في الحجاز ، وأما النصارى فقد كانت الحرب بينهم وبين المسلمين بعد الصدر الأول سجالا ثم صاروا هم المنصورين . وأجاب الرازي عن ذلك بأن الآية خاصة باليهود نعم وما قلناه يصلح جوابا مطلقا ، ويؤيده تقييده تعالى نصر المؤمنين بنصرهم إياه ( 47 : 7 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) وبالقيام بما أمر به ومنه الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، كما ورد في سورة الحج وذكرناه في تفسير الآية السابقة . ومثله وصف المؤمنين المجاهدين في سورة التوبة بقوله ( 9 : 112 الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ) وقد شرحنا هذا المعنى غير مرة وسنفصله - إن شاء اللّه - في مقدمة التفسير تفصيلا ثم قال جل شأنه ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) ثقفوا وجدوا والذلة بكسر الذال ضرب مخصوص من الذل لأنها من الصيغ التي تدل على الهيئة قيل : المراد بها هنا الجزية ، وقيل : ما يحدثه في النفس فقد السلطة وهذا هو الصحيح . وقد فرق الراغب بين الذل بضم الذال والذل بكسره فقال في الأول : انه ما كان عن قهر ، وفي الثاني : ما كان بعد تصعب وشماس ومنه تذليل الدواب . وضرب الذلة عليهم أي اليهود عبارة عن إلصاقها بهم وظهور أثرها فيهم كما يكون من ضرب السكة بما ينقش فيها أو عن إحاطتها بهم كإحاطة الخيمة